منوعات

همسات تحت المطر

كانت السماء غائمة والهواء مشبع برائحة الأرض المبتلة، حين خرجت ليلى إلى الشارع المهجور. صوت المطر يلامس وجنتيها كهمس خافت، يعيد إليها ذكريات الطفولة التي كانت تختبئ فيها بين قطرات المطر والألعاب البسيطة.

في كل خطوة كانت تتخذها على الأرصفة الزلقة، كانت تسمع صدى قلبها يتناغم مع وقع المطر. كل قطرة تحمل معها رسالة سرية وكأن السماء تتحدث إليها بلغة لا يفهمها سواها. تنهدت وأغمضت عينيها للحظة، مستمتعة بكل هذه الهمسات التي لم يسمعها أحد سواها.

همسات تحت المطر
همسات تحت المطر

حين وصلت إلى المقهى القديم عند الزاوية، رأت نافذته تتلألأ تحت المطر. كانت ذكريات لقاءها الأول مع آدم تتدفق في ذهنها، كيف أن المطر جمعهما صدفة في ذلك المساء البعيد. جلست على الطاولة القريبة من الزجاج، تراقب القطرات وهي تنساب كأنها دموع السماء، وتبتسم في صمت.

لم يكن المطر مجرد ماء، بل كان موسيقى تحمل الحنين والمشاعر المخبأة. تذكرت الكلمات التي قالها آدم قبل الرحيل: “سأعود، ولن يفصلنا المطر مهما طال الغياب.” كانت تلك الجملة تردد في ذهنها مع كل قطرة تتساقط على النافذة.

همسات تحت المطر
همسات تحت المطر

تسللت إلى ذهنها صورة المدينة القديمة، الشوارع الضيقة والأضواء الخافتة، كل زاوية تحمل ذكرى. شعرت بأن المطر يعيد الحياة لتلك اللحظات، يحيي الحب والحنين معًا، ويجعلها تتمنى أن تبقى هذه اللحظة للأبد.

همسات تحت المطر
همسات تحت المطر

فجأة، اقترب منها صوت خطوات خافتة على الرصيف. رفعت عينيها، وهناك كان آدم، مبتسمًا وكأن الوقت لم يمر. نظر إليها بعينين مليئتين بالحب، ومع كل قطرة مطر كان قلبها يخفق أكثر، وكأن السماء كانت تجمعهم مرة أخرى بعد طول انتظار.

جلسا معًا في المقهى، يتحدثان بصوت منخفض، وكأنهما يحميان اللحظة من صخب العالم الخارجي. المطر حولهما أصبح غلافًا سحريًا يحيط بالمدينة ويجعل كل شيء يبدو كحلم طويل لم ينتهِ بعد.

تبادلا الهمسات والابتسامات، وكل كلمة كانت تشبه قطعة موسيقية مكتملة. كان المطر يصنع لحنًا خفيًا، ينسج ذكريات جديدة على تلك اللحظات القديمة. شعرت ليلى أن العالم كله توقف للحظة، وأن الحب الحقيقي يمكن أن يعيدنا دائمًا إلى حيث نبدأ.

عندما هدأ المطر، خرجا معًا إلى الشوارع المبتلة، يخطوان بحذر بين القطرات اللامعة على الأرصفة. كل خطوة كانت تحمل وعدًا جديدًا، وكل نظرة كانت رسالة صامتة عن الأمان والطمأنينة التي يشعر بها القلب عندما يكون مع من يحب.

وقفت ليلى لحظة تنظر إلى السماء، والغيوم تتبدد تدريجيًا، والرياح تحمل معها رائحة الأرض الرطبة. شعرت بأن كل همسة تحت المطر كانت تحضرها إلى هذه اللحظة، لحظة اللقاء والحب الذي انتظرته طويلًا.

مع الغروب، جلسا على المقعد الخشبي في الحديقة، والمطر قد توقف تمامًا. كانت قطرات الماء على الأشجار تتلألأ كجواهر صغيرة، وكأن الطبيعة نفسها تحتفل بهذا اللقاء. شعرت ليلى بأن الحياة دائمًا تعيدنا إلى مكان نكون فيه سعداء، حتى لو تأخرت اللحظة.

همسات المطر لم تنتهي، لكنها أصبحت جزءًا من ذكرياتهما المشتركة، تروي قصة حب بدأت تحت الغيوم الرمادية، واستمرت لتصبح جزءًا من حياتهما اليومية. أدركت ليلى أن الحب يشبه المطر، لا يمكننا التنبؤ به، لكنه يترك أثرًا خالدًا في قلوبنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى